يتكرر هذا المشهد في كثير من المؤسسات، موظف بارع يؤدي مهامه بإتقان لا تشوبه شائبة، يتعامل مع الأزمات وكأنه مبرمج عليها، ويُبقي فريقه على المسار الصحيح عامًا بعد عام، ومع ذلك، يبقى في موقعه دون ترقية. وفي الكفة الأخرى، هناك موظف آخر، متوسط الكفاءة، ليس الأذكى، ولا الألمع، أو الأكثر تميزًا، ولكنه بخلاف زميله يحصد فرصًا أكبر، ومسؤوليات جديدة، ويترقى بوتيرة أسرع.
هذه المفارقة تبدو غير عادلةٍ للوهلة الأولى، خاصةً لمن هم حديثو العهد بسوق العمل. لكن مع مرور الوقت، يتضح نمط متكرر: النجاح المهني لا يرتبط فقط بجودة العمل والكفاءة، بل بمهارات أخرى تتعلق بالظهور، والمبادرة، والقدرة على التحرك داخل المؤسسة.
حيلة الكفاءة المريحة
يبني الموظف الكفء سمعته على الاعتمادية والدقة، حتى يصبح عنصراً أساسياً في فريقه. في الكثير من الحالات، تتحول هذه الكفاءة العالية إلى نعمة ونقمة في آن واحد. فالمدراء يعتمدون على وجود هذا الموظف ليضمنوا استمرارية الأداء وجودته، ويصبح وجوده بمثابة “صمام أمان” للفريق أو القسم بأكمله.
هذا الاعتماد الشديد يجعل المدراء يترددون كثيراً في ترقية هذا الموظف أو حتى نقله إلى منصب آخر، خشية أن يتأثر سير العمل أو تتراجع النتائج إذا غادر موقعه الحالي. وهنا تتحول الكفاءة إلى “قفص ذهبي”؛ إذ يجد الموظف نفسه محصوراً في إطار وظيفة معينة، ليس بسبب ضعف في قدراته أو مهاراته، بل لأن المؤسسة بحاجة دائمة إلى جودة أدائه واستقراريته. ومع مرور الوقت، قد يشعر هذا الموظف أنه يُكافأ بالاستقرار فقط، وليس بالتقدم أو الاعتراف الحقيقي بجهوده، مما ينعكس سلباً على رضاه الوظيفي ودافعيته.
كيف يتفوق الموظف المتوسط الكفاءة؟
غالباً ما يكون الموظفون متوسطو الكفاءة أكثر حضوراً في الاجتماعات، يطرحون الأسئلة، يبدون آراءهم، ويظهرون في الصورة باستمرار. فهم يدركون أن الظهور والمشاركة النشطة يلفت انتباه المدراء وأصحاب القرار، حتى لو لم تكن أفكارهم دائماً الأفضل أو الأكثر ابتكاراً.
في المقابل، يميل الموظف الكفء إلى الاعتقاد بأن جودة عمله وحدها كفيلة بجذب الأنظار إليه، فيركز على أداء مهامه بإتقان في صمت، دون أن يسعى للظهور أو ترويج إنجازاته. إلا أن الواقع العملي يفرض معايير مختلفة: فغالباً ما “يهمس” العمل المتميز ولا “يصرخ”، فيخفت صوته وسط ضجيج الاجتماعات والمبادرات الظاهرة. ونتيجة لذلك، قد يغيب اسم الموظف الكفء عن ذهن أصحاب القرار عند توزيع الترقيات أو الفرص الجديدة، في حين يحصد الموظف الأكثر حضوراً ومبادرة نتائج أكبر حتى لو كان أداؤه متوسطاً.
ما الذي يفيد في هذه الحالة؟
الموظف المتوسط غالباً ما يتحلى بجرأة أكبر في تجربة أفكار جديدة أو اقتحام مجالات غير مألوفة، وذلك لأنه لا يشعر بعبء الحفاظ على صورة الكمال والمثالية. فهو يسمح لنفسه بأن يخطئ ويتعلم، ويخوض تجارب قد تكون محفوفة بالمخاطر، مما يمنحه سرعة أكبر في التطور واكتساب خبرات متنوعة.
على النقيض، يشعر الموظف الكفء أن عليه المحافظة على سمعته وصورته المهنية المتقنة، فيتجنب المجازفة أو ارتكاب الأخطاء، خشية أن تؤثر على موقعه أو تقييمه المهني. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الحذر المبالغ فيه إلى بطء في مسار التطور الوظيفي، بينما الموظف المتوسط يتقدم بثبات من خلال تراكم التجارب والخبرات، وتعلمه من الفشل دون خوف أو تردد.
مفهوم القيادة الحقيقي
القيادة في بيئة العمل الحديثة تتجاوز حدود الكفاءة الفنية إلى مهارات أكثر شمولاً، مثل اتخاذ القرار، وإدارة العلاقات، وتفويض المسؤوليات، والتأثير في الآخرين. الموظف المتوسط غالباً ما يلتقط هذه المهارات العملية مبكراً، فيسعى إلى تطويرها حتى وإن لم يكن متفوقاً فنياً.
بينما الموظف الكفء، المنغمس في تفاصيل العمل وإتقانه، قد يغفل عن أهمية هذه الأبعاد القيادية، ويظل أسيراً لمعادلة المثالية والدقة، ما يجعله أقل مرونة في قيادة الفرق أو إدارة المشاريع الكبرى. هذا الفارق في الفهم والتطبيق العملي لمفهوم القيادة يفسر تقدم بعض الموظفين متوسطو الكفاءة بسرعة في السلم الوظيفي، بينما يظل الكفء في دائرة التخصص الضيق.
لماذا؟
يميل المدراء بطبيعتهم إلى الموظفين الذين يسهل التعامل معهم وتوجيههم، ويعتبرونهم أكثر مرونة في تنفيذ المهام وإدارة المتغيرات. الموظفون البارعون، بحكم إلمامهم بالتفاصيل الدقيقة وحرصهم على الجودة، يطرحون أسئلة واقتراحات لتحسين سير العمل، مما قد يُربك النظام القائم أو يبطئ عملية اتخاذ القرار. في بيئة العمل التي تفضل “الإنجاز السريع” و”تقليل التعقيدات”، يُنظر أحياناً إلى الموظف الكفء على أنه مصدر للتعقيد أو التغيير غير المرغوب فيه، فيتم تفضيل الموظف الأكثر بساطة ومرونة، حتى وإن لم يكن الأكثر تميزاً أو كفاءة.
الاحتراق الوظيفي مقابل الجرأة
يستهلك الموظف الكفء طاقته في السعي الدائم لإثبات جدارته والمحافظة على مستوى أدائه المرتفع، ما يجعله عرضة للاحتراق الوظيفي مع مرور الوقت. في المقابل، يوجه الموظف المتوسط جهوده نحو الاستفادة من الفرص المتاحة، وتوسيع نطاق تأثيره، والتقدم بخطى محسوبة وجريئة. هذا التوازن بين الحفاظ على الجهد والبحث عن النمو يمنحه قدرة أكبر على الاستمرارية والتطور المهني، بينما يجد الموظف الكفء نفسه محاصراً بين ضغوط الكمال ومتطلبات العمل اليومية.
مفتاح النجاح في بيئة العمل الحديثة
من مجمل هذه المفارقات، يتضح أن النجاح في بيئات العمل الحديثة لم يعد حكراً على أصحاب الكفاءة الفنية العالية فقط. بل أصبح يتطلب منظومة متكاملة من المهارات الشخصية والاجتماعية، كالمبادرة، والقدرة على الظهور، والجرأة في مواجهة التحديات، والاستعداد لتجربة الجديد دون خوف من الإخفاق.
إن تحقيق التوازن بين جودة الأداء والانفتاح على فرص الظهور والتعلم من الأخطاء، هو ما يفتح آفاق التقدم السريع والنمو الوظيفي الحقيقي في زمن تتغير فيه معايير التقييم والنجاح باستمرار.